أبي منصور الماتريدي

238

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فيكون أحد التأويلين بالموعود في الآخرة ، وهو بالإسلام يكون ، والثاني بالموعود في الدنيا ، وهو الفتح والنصر الذي ذكرناه . وقوله : غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ . لما رأوا أنهم تركوا آباءهم وأولادهم وجميع شهواتهم ، وبذلوا أنفسهم للقتال ؛ ليسلم لهم دينهم ؛ لذلك قالوا : غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ لما لم يكن خروجهم وبذلهم أنفسهم لذلك إلا إشفاقا وخوفا على دينهم ، وطلبوا - لما بذلوا أنفسهم - حياة الأبد في الآخرة فقالوا : غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ والله أعلم . وقوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . أي : اعتمد على الله في حرب بدر - على ما ذكر أهل التأويل - والنصر فيه . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ . لا يعجزه شيء ، يعز من يشاء بالنصر ، ويذل من يشاء بالقتل والهزيمة . أو يتوكل على الله في كل « 1 » أموره ، ويكل إليه أموره ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : عَزِيزٌ حَكِيمٌ . العزيز في هذا الموضع : هو الغالب ، حكيم لما أمر بالقتل . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 50 إلى 54 ] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 52 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ( 54 ) وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ . قال بعضهم : الآية مقابلة قوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ ؛ يقول - والله أعلم - : وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ، أي : يقبض أرواح الذين كفروا كيف يقبضون أرواحهم ، وكيف يضربون وجوههم وأدبارهم ؛ كأنه قال - والله أعلم - : لو رأيت الحال التي تقبض فيها أرواحهم وما ينزل بهم ، لرأيت أن ما عملوا من

--> ( 1 ) في ب : في جميع .